سيد محمد طنطاوي

135

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

عليهم سقوف بيوتهم ، إذ أتى على أصولها وقواعدها أمر اللَّه ، فانكفأت بهم منازلهم ، لأن ذلك هو الكلام المعروف من قواعد البنيان وخرّ السقف . وتوجيه معاني كلام اللَّه إلى الأشهر الأعرف منها ، أولى من توجيهها إلى غير ذلك ما وجد إليه سبيل » « 1 » . ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير - رحمه اللَّه - أولى بالقبول ، لأنه ما دام اللفظ صالحا للحمل على الحقيقة ، فلا داعي لصرفه عن ذلك . وقد حكى لنا القرآن الكريم صنوفا من العذاب الذي أنزله اللَّه - تعالى - بالظالمين ، ومن ذلك قوله - تعالى - : فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِه ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْه حاصِباً . ومِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْه الصَّيْحَةُ ، ومِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِه الأَرْضَ ومِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا ، وما كانَ اللَّه لِيَظْلِمَهُمْ ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 2 » . ثم بين - سبحانه - مصيرهم في الآخرة ، بعد أن بين عاقبة مكرهم في الدنيا فقال - تعالى - : * ( ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ، ويَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ . . ) * . أي : هذا هو مصير هؤلاء المستكبرين في الدنيا ، أما مصيرهم في الآخرة فإن اللَّه - تعالى - يذلهم ويهينهم ويفضحهم على رؤوس الأشهاد ، ويقول لهم على سبيل التقريع والتوبيخ : أين شركائي في العبادة والطاعة ، الذين كنتم تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم ، قائلين لهم : إنكم لا بد لكم من إشراكهم معي في العبادة . وجئ بثم المفيدة للترتيب النسبي ، للإشارة إلى ما بين الجزاءين من تفاوت فإن خزي الآخرة أشد وأعظم مما نزل بهم من دمار في الدنيا . والاستفهام في قوله « أين شركائي . . » للتهكم بهم وبمعبوداتهم الباطلة التي كانوا يعبدونها في الدنيا ، فإنهم كانوا يقولون للمؤمنين إن صح ما تقولونه من العذاب في الآخرة ، فان الأصنام ستشفع لنا . أي : أين هؤلاء الشركاء ليدفعوا عنكم ما نزل بكم من خزي وذلة وعذاب مهين ؟ ! وأضاف - سبحانه - الشركاء إليه ، لزيادة توبيخهم ، لأنهم في هذا اليوم العظيم ، يعلمون

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 14 ص 68 . ( 2 ) سورة العنكبوت . الآية 40 .